النويري
25
نهاية الأرب في فنون الأدب
عن أشعب : أنه جلس يوما في مجلس فيه جماعة ، فتفاخروا وذكر كل واحد منهم مناقبه وشرفه أو شجاعته أو شعره وغير ذلك مما يتمدّح به الناس ويتفاخرون ؛ فوثب أشعب وقال : أنا ابن أمّ الجلندح ، أنا ابن المحرّشة بين أزواج النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم . فقيل له : ويلك ! أو بهذا يفتخر الناس ! قال : وأىّ افتخار أعظم من هذا ! لو لم تكن أمّى عندهن ثقة لما قبلن روايتها في بعضهنّ بعضا . وقد حكى : أنها زنت ، فحلقت ، وطيف بها على جمل ، فكانت تنادى على نفسها : من رآني فلا يزنين . فقالت لها امرأة : نهانا اللَّه عز وجل عنه فعصيناه ، ونطيعك وأنت مجلودة محلوقة ، راكبة على جمل ! . ونشأ أشعب بالمدينة في دور آل أبي طالب ، وكفلته وتولَّت تربيته عائشة بنت عثمان . وعمّر أشعب عمرا طويلا . وحكى عنه أنه قال : كنت مع عثمان رضى اللَّه عنه يوم الدار لمّا حصر ؛ فلما جرّد مماليكه السيوف ليقاتلوا كنت فيهم ؛ فقال عثمان : من أغمد سيفه فهو حرّ . فلما وقعت في أذني كنت واللَّه أوّل من أغمد سيفه فعتقت . وكانت وفاته بعد سنة أربع وخمسين ومائة . وهذا القول يدل على أنه كان مولى عثمان بن عفّان رضى اللَّه عنه . وقد روى أبو الفرج الأصفهانىّ بإسناد رفعه إلى إبراهيم بن المهدىّ عن عبيد ابن أشعب عن أبيه : أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة ، وأن أباه كان من مماليك عثمان بن عفان . وعمّر أشعب حتى هلك في أيام المهدىّ . قال : وكانت في أشعب خلال ، منها : أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة ، وأكثرهم نادرة ، وكان أقوم أهل دهره لحجج المعتزلة ، وكان امرأ منهم . وقال مصعب بن عبد اللَّه : كان أشعب من القرّاء حسن الصوت بالقراءة ، وكان قد نسك وغزا ؛ وقد روى الحديث عن عبد اللَّه بن جعفر . وقال الأصمعىّ : قال أشعب : نشأت أنا وأبى الزّناد